يواصل الكاتب الفلسطيني البارز إبراهيم نصر الله، الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر 2018)، مشروعه الملحمي في رسم ذاكرة فلسطين روائياً، بإصداره «ثلاثية الأجراس» التي تدور حول الحياة المدنية وجمالياتها في فلسطين، والدور المسيحي النضالي والثقافي في بيت لحم والقدس، وبيت ساحور بشكل خاص. تتخلل الثلاثية، كما يرى الكاتب، شخصيات مسيحية، مسلمة، يهودية. وتأتي هذه الثلاثية استكمالاً لـ«الملهاة الفلسطينية»، وتتألف ثلاثية الأجراس من ثلاثة أعمال روائية هي «ظلال المفاتيح»، و«سيرة عين» و«دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت. في رواية «ظلال المفاتيح» يرجع إبراهيم نصر الله بذاكرة القارئ والتاريخ إلى البدايات، قبيل النكبة ومع بداية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وبدايات الحرب عام 1947. ورواية «سيرة عين» تحضر شخصية المصوِّرة الفلسطينية الرائدة كريمة عبود (1893- 1940) في النصف الأول من القرن الماضي. وتذهب رواية «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، لتأمّل حال فلسطين على مدى 75 عاماً، بدءاً من الحرب العالمية الأولى، حتى نهاية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، متتبعة ما عاشته فلسطين من تحولات. وفي هذا الحوار محاولة للإبحار في عوالم نصر الله الوسيعة.

** ذكرت لي في حوار سابق لنا أن ثلاثية الأجراس: دبابة تحت شجرة عيد الميلاد وسيرة عين وظلال المفاتيح.. جاءت تاريخية بالتزامن مع مئوية وعد بلفور.. هذا تاريخ لم يكتب روائياً كيف؟
هذه الثلاثية واسعة على المدى الزمني، بحيث تغطي قرناً كاملاً، ولكن بعيداً عن حرفيْة التاريخ، إنها عن سعة الروح الفلسطينية في تلك الفترة الصاخبة: 1893-1993. كنت أخطط لنشرها في الذكرى المئوية لوعد بلفور، وقد أعلن الناشر، الدار العربية للعلوم، عن ذلك، ولكن فوز روايتي «حرب الكلب الثانية» بجائزة البوكر في العام الماضي، جعلنا نؤجل إصدار ثلاثية الأجراس، التي تضم الروايات الثلاث هذه، لإعطاء فرصة للرواية الفائزة، وإعطاء فرص للثلاثية، كعمل مركزي في تجربتي، لكي يأخذ حقه بعيداً عن مزاحمته برواية فائزة.
هذه الرواية انشغلت بالحياة المدنية الفلسطينية، وجمالياتها، التي غُيِّبتْ إلى حد ليس بالقليل، بحيث تمّ اختصار فلسطين في نضالها ضد المشروع الصهيوني، وبخاصة قبل النكبة، انشغلت بهذه الجماليات، وذهبت لتأمل الصراع من عمق آخر، وهو كيف عمل الصهاينة على احتلال فلسطين، ولذا سنرى شخصيات صهيونية على مدى الرواية، من بداياتها حتى نهاياتها، إلى جانب الشخصيات الفلسطينية، مسلمة ومسيحية. ولعلها المرة الأولى التي يُطرح في رواياتنا هذا الجانب، بهذا الاتساع، فقد كنا لا نرى الشخص الذي يشن علينا الحرب، ونقاتله. هنا بات الأمر مختلفا، لأن مشاهدته يعني أن تعرف كيف يفكر، وكيف يعمل، ويخطط. في هذا المدى الواسع تحركت شخوص الثلاثية، بدءًا من دخول الإنجليز ووعد بلفور حتى نهاية الانتفاضة الأولى، في «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، ومنذ نهايات القرن حتى عام 1940 في «سيرة عين»، ومنذ عام النكبة، حتى بداية الانتفاضة الأولى في «ظلال المفاتيح».
أظن أن هذه المساحات، لم تكن مُشبَعة في بقية روايات الملهاة الفلسطينية، والثلاثية جزء منها. كان يهمني أن يرى قراء الملهاة الوجه الثاني لفلسطين، بعد أن عبّرت «زمن الخيول البيضاء» عن الوجه الأول، حكاية القرية والريف الفلسطيني من نهايات القرن التاسع عشر حتى النكبة، وكذلك فتح الباب أمام القارئ لأن يرى النهوض في مجالات الموسيقى، التصوير، والغناء، والدور النضالي الكبير، ثقافيا وسياسيا للمسيحيين الفلسطينيين. وكما تعرف، سارت هذه الروايات على خطى توجُّه الملهاة الفلسطينية، فكل رواية مستقلة عن الأخرى، لكن الواحدة منها تكمل الاثنتين الأخريين.

** العصيان المدني كان موجوداً وليس ظاهرة جديدة في«دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»؟
العصيان المدني كان جزءاً من النضال الفلسطيني، وهناك أكثر من سابقة، بدءاً من الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وقد تأمَّلتها في «زمن الخيول البيضاء»، كما أن مقدمات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عامرة ببواكير العصيان المدني، وعصيان «بيت ساحور» التي تدور فيها أحداث «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، هو ذروة كبرى، أوصلتها هذه المدينة، بغالبيتها المسيحية، إلى مستوى جديد.
ذات يوم، عندما بدأت بنشر كتابي «الأمواج البريّة»، في حلقات، عن فترة ما قبل الانتفاضة الأولى، سألني الصديق الروائي يوسف القعيد مستغرباً، في حوار صحفي أجراه معي: كيف أكتب عن الانتفاضة، مع أنها في بدايتها. والحقيقة أن الكتاب كان قد أُنجِز قبلها، وأخبرته بذلك، فسألني عن تصوّري للمدى الذي ستصله الانتفاضة، فأجبت: ستتجاوز ثورة 1936، لأن الشعوب تحافظ على كل تجاربها في روحها، ويأتي الزمن الذي تتحدى فيه نفسها، وتتجاوز ذاتها. وفي ظني أن هذا سيحدث مستقبلا أيضا، وسيتجاوز الشعب الفلسطيني في عصيانه القادم وانتفاضته القادمة كل الانتفاضات التي حققها.

تجربة كريمة عبود
** هل أرّخت في «سيرة عين» لأول مصورة في فلسطين؟
الرواية مكرّسة، كما تعرف، لتجربة كريمة عبود أول مصورة عربية فلسطينية، احترفت التصوير، في زمن كانت فيه هذه (المهنة) مقتصرة على الرجال. لكنك حين تكتب عن كريمة، تكتب عنها كعربية، وفلسطينية، وابنة قسيس، وفتاة مثقفة، تتقن عدة لغات، ولها رؤيتها لهذا الفن الذي تمارسه، ولذا تتقاطع حياتها كمصورة مع حياتها كإنسانة، ومصورة تعيش الصورة من داخلها، ومصورة مع فلسفة الصورة، في واقع استعماري يسعى لمحو فلسطين وصورتها، ويتقاطع كل هذا مع المصير الفلسطيني الذي كان غامضا في ظلّ هزيمة الدولة العثمانية، وفي مهب استعمارين متّحدين: البريطاني والصهيوني. ولذا فالرواية رحلة في عالم كريمة عبود وعائلتها أيضا، وما أصاب هذه العائلة من نكبات بسبب الاستعمار، وكذلك رحلة في روح فلسطين، بشراً وبنياناً، وفناً، وزمن قادم يترّصد هذا كله.

** الاقتلاع والنكبة في «ظلال المفاتيح» بكل رمزيتها عن فقدان البيت والمأوى؟.
رواية ظلال المفاتيح، هي عن كثافة الوجع الفلسطيني، وقوة الذاكرة الفلسطينية أيضا، إذ ليس ثمة ما هو أكثر ارتفاعا من قامة الفلسطيني في الرواية، إلا ذاكرته. وبقدر ما تعّبر الرواية عن الدمار الذي لحق بوطن، إلا أنها عن بيت، بيت صغير، وامرأة، وضابط صهيوني، وصراعهما، صراع الذاكرة والتصميم مع قوة الديناميت والعنصرية. هي أقصر رواية كتبتها حتى الآن، ولكنها من أكثر رواياتي اتساعاً.

** هل مزجت التاريخ بالواقع والمخيلة في كتابة «الثلاثية»؟
سأقول لك حكاية صغيرة: أحد الأصدقاء الذين بذلوا جهدا كبيرا في مساعدتي، وزار بيت ساحور وبيت لحم معي أكثر من مرة، قال لي إنه كان مترددا في قراءة دبابة تحت شجرة عيد الميلاد، لأنه سمع الكثير، معي: حكايات أهل المدينتين. ولكنه قرر أن يقرأها، وقال لي: إنه كم فوجئ أن كل شيء في الرواية جديد عليه. وأنه مندهش، كما لو أنه لم يعرف المدينتين من قبل! ربما من الضروري أن أقول هنا، إن كثير من الناس يعتقدون، أنك حين تستند إلى شاهد فإنك تدوّن شهاداته في الرواية، وهذا فقر كبير في فهم الرواية باعتبارها فنّا، فأنت حين تستمع لفرد أو أفراد، لا تكتب في الحقيقة عنهم، بل تكتب عن مدينة، وطن بكامله، ولذا عليك أن تملك القدرة على سرد حكاية تعبّر عن الجميع، لا عن فرد بعينه، أو أفراد، وإلا ستكون بذلك مجرّد مدوِّن، أو راوي سير فردية. أنت تسمع من الناس، ولكنك تتكئ على معرفتك الواسعة في الموضوع الذي تكتب عنه، ثقافتك، حساسيتك الأدبية الفنية، وقوة خيالك، وقدرتك على بناء مجتمع، بأفراده وعلاقاته، وهواجسه، ما كان يدركه، وما لم يدركه، وهو يسير إلى هدفه. ولذا سعدتُ بملاحظة ذلك الصديق، وسعدت بالمفاجأة التي أصابت باحثا فلسطينيا من بيت ساحور نفسها، عاش كل تفاصيل الأحداث، وهاتفني ليقول: إنه اكتشف بيت ساحور من جديد، وأنه لم يكن يعرفها تماما، كما كان يعتقد.

الرواية التاريخية
** هل تعتقد أن تاريخنا العربي يجب أن يعاد كتابته روائياً؟
المهم هو كيف يكتب التاريخ، أو أي شيء آخر، فأن يتصدّى كاتب لعمل روائي، يعني أنه بحاجة إلى عمل طويل جدا، «زمن الخيول البيضاء»، بدأ الإعداد لها عام 1985 وصدرت عام 2007، و«قناديل ملك الجليل» بدأ التحضير لها عام 1997، وصدرت عام 2012، وهذه الثلاثية، بدأ التحضير لها عام 1990 وصدرت عام 2019. طبعا، أنت لا تعمل يوميا للرواية، بل تبقى فكريا منشغلا بها، وكلما وجدت شيئا مفيدا لها تقوم بقراءته وأرشفته، وكلما سمعت شيئا تدوّنه، ولكما خطرت ببالك شخصية، أو حدث أو أمر متعلق ببنائها، تسجله، وهكذا يكون خلف هذه الأعمال مدوَّنة ثقافية وإنسانية ضخمة، قبل أن تجلس لتكتب.
في الفترة الأخيرة أتيح لي أن أقرأ عدداً كبيراً من الأعمال الروائية العربية، وكثير منها تناولت شخصيات حقيقية، أو مراحل تاريخية واسعة، وأكثر ما أزعجني هو الصفحات الكثيرة التي تتحول فيها الروايات إلى فصول، ليست روائية، بل إلى فصول كأنها مُقتطعة من كتب الجغرافيا، والعلوم الاجتماعية، والأحداث السياسية ونفقات بناء الجسور، أو المباني، أو تتحول إلى مقالات نقدية في الفن..
ما زلت أعتقد أن الرواية التاريخية بالغة الأهمية، لكنها بالغة الخطورة، فهي أوسع من التأريخ، وأوسع من المكان الذي تدور فيه، والشخصيات التي عاشته، لأنها عمل إنساني، من المفترض أن يلمس قلوب البشر في كل مكان، وهي عمل أدبي فني، يجب أن يشكل إضافة نوعية للرواية التاريخية. وفي ظني هنا، أن التاريخ في الرواية، كما قلت من سنوات طويلة، أشبه ما يكون بالسكر في كوب الشاي، تتذوقه، لكنك لا تراه.
خطورة الرواية قائمة في أن من يقرأون كتب التاريخ قلّة، مزوّرا كان هذا التاريخ أو صادقا، لكن أعداد من يقرأون الروايات اليوم كبير جدا، وهم يستقون المعلومة من هذه الروايات، ويصدقونها.

** بعد هذه الثلاثية هل يستريح الروائي قليلاً؟
كما أشرت في إجابة سابقة، «الثلاثية» سلمتها للناشر قبل عام ونصف العام، ولذا، لم أكتب خلال هذه الفترة أي شيء، وقد كانت فترة حافلة بالسفر وتقديم المحاضرات في العالم العربي وخارجه، ولذا لم أكتب شيئاً منذ مطلع عام 2018. كانت فترة خالية من الكتابة، لكن ذلك لا تعني أنها فترة راحة، لأنني، وإن لم أكتب، فإنني لا أتوقف عن الكتابة ذهنيا طوال الوقت.

** ومشاريعك المستقبلية؟
هناك عمل روائي عن طفولتي، كنت نشرته مكثفا كشهادة عام 2002 بعد وفاة شاعرتنا الكبيرة فدوى طوقان، وتحدثت في تلك الشهادة عن أثر فدوى وأخيها إبراهيم، ودورهما في أن أكون شاعرا. لهذه المساحة حكاية مؤثرة جدا في حياتي، ولطالما طالبني الأصدقاء بكتابتها كرواية، وكان على رأسهم الصديق الروائي الرائع فاروق وادي، ولذا آثرت ألا أنشر هذه الشهادة الطويلة في كتابي «كتاب الكتابة» بل أعمل عليها كرواية.